السبت، 16 سبتمبر 2017

بؤس الوحدة والانفصال سيّان

فريدة أحمد
16 سبتمبر 2017م

لا يغيب عن ذهني مشهد الرجل المسن الذي توفي أمام بريد عدن انتظاراً للراتب, مُسن لم يكن في يده سوى قارورة ماء ساخنة إلى جانبه, في جو شديد الحرارة, كان جُل حلمه الأخير الحصول على ما يسد به رمق جوعه وأطفاله وربما أحفاده. أو صورة الرضيع الذي ينام على قطعة كرتون, وهو مجردٌ من ملابسه هرباً من الحرارة التي لا تطاق داخل المنزل, فربما نسمة هواء عابرة تهوّن عليه جحيم غرفة لم تقترب منها الكهرباء من أجل تبريدها لساعات طويلة وأحياناً لأيام. صور لا يمكن أن تنسى لكل ذو ضمير.
لا كهرباء, لا رواتب, لا ماء, لا وقود .. حديث يومي لا ينفك المواطنين في جنوب اليمن عن ذكره, بل بات هو حديث الجلسات والزيارات وحتى الاتصالات الهاتفية لمن هم بالخارج, مجموعة من اللاءات والشكاوي والآهات لبعض الوقت, ثم تركن المعاناة جانباً بدون أي فعل من شانه الضغط لتحسين الأوضاع, يكتفي الناس بالدعاء على الحكومة وكل من تسبب في مأساتهم بصمت من داخل زوايا بيوتهم المظلمة, وقد لا يجدون ما يكفيهم من الدقيق لليوم الثاني بسبب عدم صرف الرواتب لأشهر, هذا هو الحال اليومي في المناطق المحررة أثناء الحرب في اليمن.

في السابق إن حدث إخفاق أو فساد أو انتهاكات إنسانية, تكون التهمة جاهزة نحو النظام السابق نظام "علي عبدالله صالح" العائلي وهي تهمة حقيقية بالمناسبة, أما اليوم و رغم أن لا شيء ملموس قد تغير, فالبؤس هو نفسه بنظر المواطن في الجنوب وربما أشد, وهو ما يضعه حائراً متسائلاً لمن يوجه التهمة؟ ومن يحكم البلاد فعلياً إذا لم يكن للحكومة آداء فعلي حقيقي أو وجود على الأرض, وتحديداً "عدن" فيما يعتبرونها عاصمة مؤقتة للشرعية.
كان العائق الأكبر بالنسبة للجنوبيين في "الحراك السلمي" الذين ظلوا يطالبون به لسنوات باستعادة دولتهم, هو وجود قوات النظام السابق على أراضيهم فيما سميت ذلك الوقت, بـ (قوات الاحتلال), تحررت الجنوب من القوات الشمالية التابعة لعلي عبدالله صالح بنسبة 99%, وتم استبدالها بقوات جنوبية أصبحت هي من تحكم الأرض وهي من تدير أمور البلاد وتتحكم بها إدارياً وعسكرياً وأمنياً وحتى اقتصادياً في أسوأ الأحوال, ماذا قدمت للمواطن المُنهك؟ و بماذا خدمته لتنتشله من مأساته اليومية؟

لم يقدم أبناء الجنوب المتحكّمون نموذجاً مطمئناً للمواطن الذي ظل يوجه تهم تذمره ومعاناته تجاه الوحدة لسنوات طويلة, ولم يبذلوا مجهود كافٍ من أجل أن يثبتوا أنهم أكفاء سياسياً وإدارياً حتى الآن (على الأقل). ولو نظرنا كمثال, لحال الأكراد رغم الاختلاف الجوهري بين القضيتين الجنوبية والكردية وبغض النظر عن موقفنا منها, فهم أثبتوا للمجتمع الدولي بجدارة أحقيتهم في إنشاء دولة مستقلة عندما كثّفوا من نشاطاتهم المطمئنة على الأرض وفرضوا الأمن والاستقرار في مناطق سيطرتهم وسط الحرب, وهذا وهم لم يملكوا دولة قومية مستقلة من قبل, بعكس الجنوب الذي كان دولة قائمة ومعترف بها دولياً, ويمكن إعادة مؤسساتها كما كانت من قبل وأفضل, لا بإنشاءها من فراغ كما يفعل الأكراد في كردستان العراق والذين يستعدون للاستفتاء على تقرير مصيرهم بعد أيام من الشهر الجاري, مع ذلك الجميع ملام بالفشل, وحكومة الشرعية على رأس القائمة.

وعدا عن كل ذلك من الأحداث ومن السياسيين والناشطين وغيرهم ممن يسعون لرسم مساحات جغرافية جديدة أو استعادة سابقة وبمختلف المسميات, المواطن البسيط شمالاً وجنوباً, ما الذي يهمه سوى أن يتم توفير أبسط احتياجاته الأساسية؟ فلا الوحدة يمكن أن تنقذه ولا الانفصال يمكن أن يفيده إذا ظل يحمل همّه و بؤسه فوق ظهره.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق